لماذا سقطت هيبة العلماء من قلوب الناس؟!
أخواني وأحبتي في الله
أنقل لكم هذا الموضوع عن شيخي وأستاذي الفاضل الشيخ علي عثمان جرادي ـ
الذي أتشرف لكوني تلميذه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وبعد:
فإن الله بيّن قدر العلماء في كثير من الآيات ومن أعظمها قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط} والنبي صلى الله عليه وسلم قال: [العلماء ورثة الأنبياء] والذي يقرأ تاريخ الأمة يجد أن الحكام كانوا ملوكاً على الناس وكان العلماء حكاماً على الملوك، فلما كانت الحال هذه سائدة على مستوى الأمة كان الناس بخير حكاماً ومحكومين، وكان المجتمع مجتمعاً كما يشتهي كل مسلم.
ولقد كان للعلماء في قلوب الناس هيبة من الصعب أن يصفها المسلم أو أن يحدد ملامحها فالذي يقرأ سيرة الإمام سلطان العلماء وبائع الملوك العز بن عبد السلام رضي الله عنه يجد أمراً عجباً فقد كان الظاهر بيبرس على شدته وهيبته يعظم الشيخ العز رحمه الله تعالى ويحترمه، ويعرف مقداره، ويقف عند أقواله وفتاواه، ويعبر الإمام السيوطي رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله: وكان بمصر منقمعاً، تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع أن يخرج عن أمره حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن.
إن كلمة الظاهر بيبرس كلمة تدمي القلوب فقد انقلبت الموازين اليوم واختلطت الأمور فأصبح العالم مأسوراً برأي الحاكم فلم يعد للعالم رأيه المستقل إلا من رحم الله.
لقد سألت نفسي كثيراً لماذا سقطعت هيبة العلماء من قلوب الناس؟! ولم يعد للعلماء تأثير على الناس إلا من رحم الله، فقد كان للعالم هيبته ومنزلته بين الناس بل بين الحكام، فقلت: ما الذي غير الحال؟!. فللأسف لم يعد للعلماء مكانتهم ـ إلا من رحم الله ـ فقد يمر العالم من أمام الناس ولا ينظر إليه ولا يؤبه له، فبحثت ووجدت أن هناك أسباباً عدة:
أولاً: أن العلماء ـ بمصطلحنا ـ لم يعودوا علماء، رب قائل يقول كيف ذلك؟ أقول: إن الذي يقرأ شيئاً من سير العلماء وأحوالهم ومواقفهم ومثابرتهم على طلب العلم يعلم تماماً صحة ما أقول.
عندما أقرأ أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه لازم شيخه ما يقرب من عشرين سنة، يتعلم منه ويتأدب من أدبه... ثم أرى في أيامنا من ينتسب الى إحدى الجامعات الإسلامية ـ وقد لا يعرف مشايخه ـ فيقدم الامتحانات وينجح ـ وفي كثير من الأحيان يعتمد على الحفظ دون الفهم ـ ثم يتخرج برتبة عالم، فإن العالم في مصطلحنا هو من يحمل الشهادة الشرعية وهذا خطأ كبير فليس كل من يحمل الشهادة الشرعية يعتبر عالماً، فقد سألت ذات يوم أحدهم وكان طالباً في إحدى الجامعات ـ سنة أولى: ماذا تقرأ في هذه الأيام من الكتب؟ فقال لي والله بالحرف الواحد: أنا أستمع الى الفتاوى على تلفزيون اقرأ!! ثم رسب في تلك السنة وفجأة رأيته يلبس زي أهل العلم، فكيف سيكون لهذا الرجل وأمثاله هيبة في قلوب الناس؟!.
ثانياً: أن حملة الشهادات ـ ولا أريد أن أسميهم علماء إلا من رحم الله منهم ـ أصبحوا يركضون وراء الشهرة ورضي الله عن سيدي الإمام المبجل أحمد بن حنبل القائل: طوبى لمن أخمل الله ذكره، إنما ابتلينا بالشهرة. وها هو سيدي محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول: يا ليت هذا العلم بث بين الناس ولم تنسب إلي منه كلمة واحد. ما هذا الاخلاص؟! فقد تبين جلياً الفرق بين علماء الأمة وبين (علماء اليوم !!)
إن الشهرة هي التي ضيعت طلبة العلم الشرعي فقد سعوا وراء الشهرة للوصول الى مآربهم، ونسي هؤلاء قول العارف بالله تعالى إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: ما صدقَ اللهَ من أحب الشهرة، وقول العارف بالله بشر بن الحارث رحمه الله حين قال له رجل: أوصني، قال: أخمِل ذكرك، وأطب مطعمك. فالشهرة أسهل طريق للوصول لذا اهتم بعضهم بها أشد من اهتمامهم بالعلم. ومما أضحكني أن أحد طلبة العلم عندما تخرج باع مكتبة وقال: لقد تخرجت فماذا أفعل بها؟!
ثالثاً: إن للعلماء دوراً هاماً جداً في بناء الجيل وتوجيهه فإذا لم يوجه العلماء هذا الجيل فمن يوجهه؟! أيوجهه الاعلام المدمر؟! أم يوجهه الساسة على هواهم؟! أم يوجهه أهل الفساد؟! بالله عليكم أين حملة الشهادات اليوم إنهم منصرفون وراء مصالحهم الشخصية ـ إلا من رحم الله ـ فهجروا بيوت الله فلم يعد للمسجد دوره المنشود، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ بدأ ببناء المسجد للانطلاق منه الى الدنيا كلها.
فلنقف وقفة مع بعضنا: هل حملة الشهادات يحضرون صلاة الجماعة؟! هل الموظفون لإقامة الشعائر الدينية في بيوت الله يحضرون الصلوات الخمس بل من المضحك المبكي أن أحد المساجد وضعَ ورقة كتب عليها مدة الانتظار بين الاذان والإقامة ولم يذكر صلاة الفجر!! وكأنها ليست من الصلوات المفروضة.
إنني أحزن لحال بيوت الله يذهب المصلون الى بيوت الله فلا يجدون إماماً يصلي بهم، وبينما كنت أقرأ في أحد الكتب استوقفني حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول " إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يصلي بهم " [رواه أبو داود] وبالمقابل نجد هؤلاء لا يتركون احتفالاً إلا ويحضرونه بل ويجلسون في مقدمة الحضور!!.
فغياب الأئمة عن بيوت الله وعدم النظر في مشاكل الناس وأحوال الناس سبب من أسباب سقوط هيبتهم من قلوب الناس، لأن المسلم أصبح لا يرى العالم إلا في بعض الأوقات، فكيف يحث أئمة المساجد الناس على حضور الجماعة وهم لا يحضرونها؟! رب قائل يقول لي: ما السبب الذي جعل الأئمة يتغيبون عن مساجدهم؟! فأقول: لانعدام الرقابة من المسؤولين على الموظفين ويؤسفني أن أقول "الموظفين" ولكن الحقيقة تقول بأنهم موظفون، فإن الإمام عندما كان ينظر إليها على أنها مسؤولية كانت أحوال الناس بخير فلما نظر إليها على أنها وظيفة فقد ساءت حال الأمة. والأمر الثاني: أن أئمة المساجد مشغولون بأعمالهم الخاصة فهذا مشغول بحزبه وذاك مشغول بجمعيته وآخر مشغول بعمله الخاص فأصبح المسجد آخر اهتماته. وأذكرهم بقول الله تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون}.
رابعاً: أن كثيراً ممن يدعون العلم أصبحوا يركضون خلف الدنيا وزخارفها إلا من رحم الله وأمثلة ذلك كثيرة، فلما رأى الناس علماءهم يركضون خلف الدنيا أسرع الناس خلف الدنيا وتركوا إقبالهم على العلماء ورحم الله الإمام السمرقندي فقد قال: "إذا أكل العلماء الحلال أكل الناس الشبه، وإذا أكل العلماء الشبه أكل الناس الحرام، وإذا أكل العلماء الحرام كفر الناس"اهـ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عيينه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" [ الترمذي ] لقد دخل السلطان عبد العزيز سلطان مصر وزار الجامع الازهر، وصحبه الخديوي فإذا رجل بالجامع كأنه غير مهتم، فهو مسند ظهره، ماد رجله، فأسرع بالسؤال عنه، ثم كلف أحد رجاله أن يذهب له بصرة يريد أن يعرف حاله فلما جاء الرسول ليعطيه قبض الشيخ يده، وقال له: قل لمن أرسلك إن من يمد رجله لا يمد يده إلا لله. فهؤلاء هم العلماء، فأين نحن من هؤلاء؟! وأقول لهؤلاء ما قاله سيدنا علي رضي الله عنه: "من أقبل على الدنيا قتلته ومن فرّ منها جرحته"اهـ
خامساً: أن المراجع الدينية أصبحت بالتعيين ولم تعد بالانتخاب، وهذا أكبر خراب ودمار على الأمة، فبسبب ذلك وصل بعض الناس الى مناصب دينية ليسوا بأهل لها مطلقاً، ولكن السياسة هي التي أوصلتهم وهنا تحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة، قالوا: وكيف إضاعتها، قال: إذا أسند الأمر الى غير أهله فانتظر الساعة" [ البخاري ] ورحم الله زماناً كان العالم يصل بالكفاءة فكان العالم وقتها جريئاً لا يخاف الا الله وهنا يحضرني ما حصل بين شيخ الأزهر الشريف الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي رحمه الله تعالى حين خطب شيخ الأزهر خطبة ضد الاحتلال الانكليزي فطلب رئس الحكومة وقتها أن يخفف شيخ الأزهر من حدته فقال شيخ الأزهر رحمه الله: ليس شيخ الأزهر الذي يتلقى التعاليم من أحد، ثم هدد شيخ الأزهر المراغي رئيس الحكومة بأنه إن عاد وأمر شيخ الأزهر بشيء هدده بإسقاط حكومته في الشارع.
هؤلاء هم العلماء الذي لا يخافون إلا الله لا يتلقون تعليمات من أحد وإنما يأخذون الأوامر من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العالم ينتخب أو يعين من خلال المراجع الدينية كان الناس بخير، ولما تغيرت الأمور فأصبح المرجع الديني في كثير من الأحيان يعين رغماً عن المسلمين لم يعد للعالم قيمة ولم يعد له هيبة في قلوب الناس.
سادساً: أن الكفاءة لا دور لها في التكاليف، ولا قيمة لها (أما الواسطة والمحسوبيات) فهي كل شيء، وهذا الأمر لا أظن أن أحداً يختلف معي حوله، فهل من الكفاءة أن يعين أحد أئمة المساجد دون اختبار؟! وهل الكفاءة تقول بأن التلميذ يعين قبل المتخرج؟! وهل الكفاءة تقول أن التعيين يكون من قبل السياسيين؟! وهل الكفاءة تقول أن يعمل المتخرج خادماً والتلميذ إماماً؟! والله إن هذا لشيء عجاب!!
سابعاً: أن العلماء فيما مضى كانوا لا يهابون إلا الله وأمثلة ذلك كثيرة، فها هو الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه يقول للمقتفي بأمر الله لما ولى ابن مزاحم وكان ظالماً: لقد وليت على المسلمين أظلم الظالمين فماذا تقول لربك غداً أرحم الراحمين؟! فخاف المقتفي وعزله.
إن علاقة العالم بالحاكم علاقة نصح وإرشاد، فالعالم يرفع ظلماً وقع من الحاكم على الناس، أما التصفيق فممنوع على العلماء أن يصفقوا لأحد. وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول لعلماء زمانه: إذا احتاج أحدكم الى المال فليأت إلي ولا يذهب الى السلطان فإذا رأيتم العالم على باب السلطان فاتهموه في دينه. فلو كان الإمام أبو حنيفة بيننا لا أدري ما يكون شعوره وهو يرى ما نراه.
يا ليت علماء زماننا يقتدون بالزاهدة العابدة التقية السيدة نفيسة رضي الله عنها حين قال لها الناس يا نفيسة العلم لقد ظلمنا الحاكم، وبعدها رآها الحاكم فنزل عن دابته احتراماً لها، فقالت له: لم؟ ـ فلم تخف منه ـ قال لها: كما!! ثم انصرف فسألها الناس ما هذا؟! فقالت لهم: قلت له لم ظلمتهم؟ فقال لي: كما تكونوا يولّ عليكم.
لقد كان الأمراء هم الذين يأتون الى العلماء وقد لا يستقبلهم العالم ومن أروع ما سطره التاريخ ما قاله الامام مالك رضي الله عنه حين دخل هارون الرشيد ـ وهو الحاكم الصالح ـ الى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل هارون الى الامام مالك يدعوه ليدرسه العلم، قال الامام مالك رضي الله عنه: إن العلم لا يأتي الى أحد ولكن يؤتى إليه. كلمة عظيمة قالها الامام مالك فسطرها التاريخ فالعالم لا يأت الى الحاكم والكلام كثير وأختم الكلام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن أناساً من أمتي سيتفقهون في الدين ويقرأون القرآن ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك. كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم إلا، قال محمد بن الصباح كأنه يعني الخطايا) رواه ابن ماجه.
وأود أن أذكر هذه القصة: خرج الشيخ عز الدبن بن عبد السلام رحمه الله تعالى ونادى بأعلى صوته: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوّئ لك ملك مصر ثم تبيع الخمور؟ فقال الملك: هل جرى هذا؟ فقال الشيخ: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة؟ فقال الملك: يا سيدي، هذا ما أنا عملته، هذا من زمان أبي! فقال الشيخ: أأنت من الذين يقولون: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} فأمر الملك بإغلاقها فوراً! فلما عاد الشيخ الى مدرسته، قال له أحد التلاميذ: لم فعلت ذلك؟ وكان يسعك نصحه بينك وبينه؟ فقال: يا بني، لقد رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. قال التلميذ: يا سيدي أما خفته؟ قال العز: لقد استحضرت هيبة الله تعالى إذ خاطبته فصار السلطان أمامي كالقط. فكان الحاكم قدوة للناس فهابه الناس.
ولما عزل السلطان نجم الدين العز بن عبد السلام قام الناس تأييداً للامام العز فخاف الحاكم وأمر بإعادته الى منبر المسجد الاموي، فجاء بعض الناس وقال له: إن السلطان عفا عنك. وردك الى عملك، على أن تنكسر له، وتقبل يده. فما كان من الشيخ إلا أن قال لرسول السلطان: يا مسكين! والله ما أرضى أن يقبل ـ هو ـ يدي، فكيف أقبل يده؟! يا قوم، أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم.
فإذا كان حملة الشهادات اليوم كعلماء الماضي تغيرت أحوال الأمة ولو نظر هؤلاء إلى مسؤوليتهم في بناء الجيل لتغيرت أحوال المسلمين كثيراً، فهذا ما أردت بيانه فإنني ما تكلمت للنقد ولكنني تكلمت علني أجد آذاناً صاغية تسمع كلامي فتحاول الاصلاح فإنني لا أملك آلية التغيير والاصلاح، فأنا أعمل ما بوسعني وأدرس على قدر همتي ابتغاء مرضات الله دون نفع مادي أو دنيوي فإنني قلت هذا الكلام وأنا لا أخشى أحداً في الدنيا إلا الله سائلاً المولى عز وجل الله أن يلهمني والمسلمين الصواب إنه ولي والقادر عليه.
وكتبه في صيدا خادم العلماء علي بن عثمان جرادي صباح الاثنين 17 شوال 1428 الموافق 29 /10 /2007
ونقله لكم أخوكم المحب في الله أبو مصطفى