مرت أمام عيني...
ثوبها أبيض...
حجابها أبيض...
على حجابها فراشات ملونة تغطي شعرها الأسود...
خصلة من شعرها... كشفت شعرها الليلي المستسلم لحكم الحجاب!
في لحظتها تمنيت أن أكون فراشة ترفرف على حجابها...
بياض السكر ....هذا أسكرني... أرجعني سنوات...
كنت حينها أحمل دفاتري الجامعية, وأسكن في منزلنا العربي...
كانت ساحة المنزل واسعاً...
في بيتنا... دون كل بيوت البلدة كان الثلج ينهمر كل صباح!
نشم رائحتها ... ونبني أحلامنا تحتها!
نعم في هذه الصحراء... كان الثلج ينهمر... كنا نلتقط أزهار الياسمين وهي تتساقط كل صباح في حديقة بيتنا...
أمي... تمسك مجرفة, تحفر حفرة صغيرة, تضع نبتتها, تدفنها بحنان, وتثبت التربة من حولها...
أمي... زرعت بيديها ورد الياسمين في البيت... وزرعت بيديها عشقنا لهذه الوردة...
فرغم شجرة اللوز التي كنا نتسابق في قطف ثمارها!
ورغم شجرة التوت التي كنا نأكل ثمارها قبل أن تنضج!
بقيت وردة الياسمين تلك هي السيدة في ساحة المنزل بلا منازع...
رائحتها كانت تسحرني... (فلا يعرف الشوق إلا من يكابده)... ولا يعرف رائحة الياسمين إلا من يشمها كل صباح وكل مساء... قبل النوم وبعد النوم !
في المساء... كنت أطل من نافذتي لأشاهد كيف يتغزل القمر بورد الياسمين!
وفي الصباح... أقوم من النوم على عجل أغسل وجهي على عجل, البس (أي شيء)... ورغم عجلتي ونسياني لأوراقي وأقلامي ودفاتري, لم أنس يوماً أن أقطف بعضاً من الياسمين, وأخبئها في جيبي العلوي أشمها كلما مسني الشوق إليها...
******
لم أكن وحدي من أصابه (مس) من الياسمين!
أختي عشقت هذه الوردة!وجميع من كان في المنزل
وعشقوا اسمها أيضاَ..
وأعلنت على الملأ في يوم ما: ياسمين أجمل اسم في الوجود...
كلما (تشرفت) العائلة بأنثى جميلة - كعادة عائلتنا وأضيفت إلى لائحة الشرف – اقترحت: لهم أسم ياسمين... لماذا لا تسمون ابنتكم ياسمين؟ إنه اسم رائع..
أختي تزوجت وحملت وأنجبت طفلة جميلة...ولكنها لم تسمها ياسمين سمتها سارة!!!
... الحب أعمى كما يقال, وقد أعمتني رائحة الياسمين!
أعمتني عن كل الألوان وعشقت الأبيض!
كلما شاهدت فتاة بثوب أبيض...
طفلاً يحمل قلباً أبيض...
مسلماً يحرم بقماش أبيض...
أمي كلما لبست ثوب صلاتها الأبيض...
لا أتذكر سوى الياسمين!
******
في بيتي الجديد...
قررت أن أزرع الياسمين...
زرعته في ساحة في الصالة, في الممرات والغرف, والمطبخ وتحت السلالم وفوق السطح, وأمام مدخل البيت, وعلى شرفات النوافذ...
وخاب أملي...
أرى الياسمين بكل مكان في البيت... ولا أشم رائحتها!
أثقلني الهم ما سر وردة بلا رائحة...!
فذهبت إلى عرافة ..... وتقرأ في الفنجان... وتكشف أسرار خطوط الكف...
عجزت تلك العرافة عن كشف السر, وقالت لي: انتظر... فنجمك ما زال تائهاً في السماء!
فذات مساء...
وقد كان الأرق يهجم علي متسلحاً بهواجسه...
جلست في ساحة بيتي الجديد...
تحيط بي أزهار ياسمين بلا رائحة...
نظرت للسماء أبحث عن نجمي...
كانت النجوم تنظر إلي أيضاًَ...
وتقص لي عن قصص الأمير الشجاع, والحسناء الفقيرة... وكيف أهداها في ليلة عرسها سلة ياسمين!
تغلب علي سلطان النوم وجنوده على أرقي, فمر بي طيف والدي...!
كان يلبس ثوبه الأبيض!
بشعره الأبيض!
وقلبه الأبيض!
وقال لي: يا ولدي... في ساحة منزلنا القديم... لم يكن ما شممته رائحة ياسمين...
بل رائحة يد أمك!
منقول