#هواوي بين الحظر الأمريكي و الأوروبي و فقدان الثقه

لا أحد يُمكن أن ينفي الجُهود الكبيرة التي قامت بها شركة هواوي الصينية مؤخرًا في مجال الاتصال، سواء بهواتفها الأخيرة، أو نشاطها الكبير في تطور تقنيات الفايف جي والعمل مع شركاء من العالم لتوفير البُنى التحتية بشكلٍ مبكر استعدادا لجيلٍ جديد.

شركاء الشركة سعداء بما تقوم به، وكذلك سيكون المُستخدم النهائي، إلّا أن توسع نفوذ الشركة بهذا الشكل عن طريق توفير البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس والبرمجيات المُخصصة لها جعلها في منطقة مشكوكٍ فيها، الشركة من بلدٍ (الصين) يؤمن بالمُراقبة الشخصية للجميع وجمع البيانات، وتوجه هواوي قد يُستغل لنفس الغرض.

هواوي والولايات المُتحدة الأمريكية

عندما تُجري اتصالًا أو تقوم بأي عملية تتطلب اتصالا بالشبكة فلا بد من التواصل مع قاعدة البيانات، وإن كانت هذه القاعدة ضمن البينة التحتية التي تُوفرها هواوي، فإن إمكانية اطلاعها الكامل على كل شيء يُصبح عملية سهلة، هذه أكبر مخاوف الولايات المُتحدة، في اعتقادها، فإن هواوي قادرة على استغلال شبكة الجيل الخامس للتجسس، وفي الحقيقة، فإن عمليات التجسس من خلال تقنيات الاتصال أمر وارد جدًا والولايات المتحدة الأمريكية بنفسها كانت موضع اتهام سابق بهذا الخصوص.

الولايات المتحدة الأمريكية ترى شبكة الاتصال من الجيل الخامس من هواوي، أو أي شركة صينية آخرى غير موثوقٍ فيها خطرًا أمنيًا، دفعها لدعوة الاتحاد الأوروبي أيضًا بعدم التعامل معها بما أنه تربطها علاقات معها وتعتبر العلاقة بين الصين من خلال هواوي والاتحاد الأوروبي خطوة غير موفقة وقد يكون تهديدًا مباشرًا لبلدان الاتحاد وغير مباشر للولايات المتحدة الأمريكية.

المُخابرات الأمريكية CIA ومكتب التحقيق الفدرالي FBI حذرا أيضًا من استخدام هواتف الشركة، وقد أشارا لكون هواوي قادرة على توجيه البيانات الشخصية للأفراد وجمعها بشكلٍ غير مرخص، ما يعني قابلية استخدام الهواتف لتجسس دون أن يكون من السهل كشف ذلك، وقد بدأت بعض الشركات بمنع استخدام الهواتف التي مصدرها الصين داخل بيئة عملها.

بعيدًا عن ذلك، أستراليا ونيوزيلاندا وكذلك اليابان اتخذت خطوات مبكرة للحاق بالولايات المتحدة وعدم السماح باستخدام هواوي كشريكٍ في تشييد البنية التحتية للجيل الخامس من تقنية الاتصال، وقد تلحقها الكثير من الشركات هذه السنة، سواء من خلال حظر مباشر أو ضغط على شركات الاتصال لتغيير شركائها.

هواوي والاتحاد الأوروبي

الكثير من الدول في الاتحاد الأوروبي تخلت عن هواوي للاتجاه لبقية مزودي الفايف جي وبنيتها التحتية، وذلك استجابة لشريكها الاستراتيجي الولايات المتحدة الأمريكية، وخوفًا على أمنها القومي، هذا الموقف سيُساعد بقية الشركات كإيريكسون ونوكيا على الفوز بحصة إضافية من سوق الجيل الخامس، إلّا أنه من غير المتوقع أن تكون قوتهما الإنتاجية كافية لسد حاجيات السوق الأوروبي بتخلخل العلاقات ما بين شركات الاتصالات كـOrange في فرنسا وDeutsche Telekom الألمانية مع هواوي، غير أن هذه الدول لم تحظر الشركة الصينية بشكل كامل ومازالت بعض الشركات في مرحلة تقييم لعلاقة العمل التي تربطها بهواوي، والتي سيؤثر مغادرتها للسوق على توفير خدمات الفايف جي بشكلٍ كبير.

موقف إيطاليا أيضًا غير مُحدد بشكلٍ كامل، شركة Telecom Italia تواصل استخدام تقنيات هواوي وقالت أنها تنتظر ردًا من الحكومة في حالة رغبتها في وقف ذلك، TIM تستخدمها بشكلٍ محدود، Fastweb في مرحلة تجريبية فقط أمّا Vodafone فقد أوقفت استخدامها بشكلٍ مؤقت.

يظن البعض أن الاتحاد الأوروبي قد يتفق في النهاية على التخلي الكامل عن هواوي كشريك استراتيجي ومحاولة الاتجاه للشركات الآخرى، قد تخسر الكثير من شركات الاتصال جزءًا من حصة السوق بتأخرها في توفير الفايف جي بسبب ذلك، لكن قد لا يكون هنالك مهرب منها.

هواوي وفقد الثقة

المشكلة التي وقعت فيها هواوي قد تُضخم مشكلتها، بوقف التعامل المُباشر معها ولو بشكلٍ جزئي بما أن سوق الهواتف يُرحب بتواجدها، والمزيد من العقود قد تتوقف دون اكتمال إتمام عملية فرش البنية التحتية للفايف جي التي من المفترض أن تتواصل حتى العام المقبل، الخبراء لا يثقون بشركة من السهل التأثير عليها من الحكومة الصينية، ومن بلدٍ يشجع طرق المراقبة ويحذر من استخدام التطبيقات والمواقع المعروفة بمراقبة المستخدمين، ويُفضل أن يوفر تطبيقاته الخاصة التي طبعًا لديها صلاحيات مراقبة المستخدم.

يعتقد الخبراء أن هواوي نفسها غير جاهزة لجعل موقفها أفضل بالعمل على برمجيات حصرية غير مفتوحة ويصعب التعامل معها، قد يكون السبب طبعًا رغبة هواوي بعدم كشف الطريقة التي تعمل بها بنيتها التحتية، لكن ذلك يُسهل زرع برامج تجسس دون معرفة ذلك من الشركات التي تستخدم تقنيات هواوي، ما يجعل برمجيات الشركة محل شك كبير.

هواوي الشركة الرائده مازال حلمًا

رغم كل هذا، هواوي مازلت حتى الآن الرائدة في توفير البنية التحتية للفايف جي، وتأثيرها على السوق واضح، وسيكون أوضح بتخلي العديد من الدول عن تقنياتها خوفًا من تهديد أمني غير مؤكد حتى الآن، الشركة الصينية لا تُريد أن تتنازل عن مكانها كرائد، ومازالت تقوم بجهودٍ كبيرة لتوفير شبكة الجيل الخامس للعالم بشكلٍ أسرع من البقية، السوق غير جاهز للتخلي عنها بعدم مقدرة بقية المنافسين على تغطية النقص الذي ستُحدثه دون تأخر وبالتأكيد استثماراتٍ إضافية.

الشركة تعلم تمامًا أن مخاوف الدول أمر جدي، إلّا أنها أعلنت عن عدم تنازلها عن موقعها، وعلى أن ما يحصل هو مجرد محاولة لتأخير نجاحها، العلاقات الأمريكية الصينية متأثرة بالفعل وهواوي وقعت وسط هذا النزاع، وتضن هواوي أنها تتلقى ضربة مخططًا لها لإضعاف صورتها، بعض الدول لم تُحدد موقفها الكامل من هواوي، وحتى ألمانيا التي مالت في اتجاه موقف الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها ترغب بإقامة محادثات مع هواوي أولًا.

العملاق الصيني رد بشكلٍ واثق على كل التهم وعزز موقفه بأنه لا توجد أية دلائل على تعاونه مع الحكومة الصينية لزرع أنظمة تجسس في تقنيات الجيل الخامس، وأكثر، أنه لا توجد دلائل أيضًا على استخدام هذه التقنيات في غير ما صُممت له، وقد فتحت الشركة بحسن نية مختبراتها للصحافة لتعزيز موقفها.

هواوي لم تتوقف عند هذا الحد، وحتى باستخدامها لشريحتها الخاصة وتقنياتها المُغلقة، إلّا أنها وافقت على المرور عبر أنظمة التقييم والفلترة لكل البلدان التي تتواجد فيها، وأضافت من خلال رئيسها على أنها جاهزة للمشاركة في بناء مراكز تقييم للأمن الرقمي Cybersecurity في الدول صاحبة النزاع.

هواوي والمستخدم النهائي

هواوي ربحت بلا شك ثقة المستخدم النهائي بأكثر من طريقة، فالشركة أصبحت علامة فارقة في سوق الهواتف الذكية، متخطية أسماء كبيرة وعلى رأسها سامسونغ المتنامية الشعبية، الشركة قدمت هواتفًا ممتازة وأحيانا بفارق كبير عن المنافس.

الشركة لم تنسى أيضًا المستخدم النهائي عندما يتعلق الأمر بالجيل الخامس من شبكات الاتصال، الشركة تتجهز لتقديم هاتف -وربما أكثر من واحد- قادر على الاستفادة من الإطلاق المبكر لها، وذلك رغبة منها في أن تُظهر نفسها كالرائد في الفايف جي في كلا الجانبين، من جهة الشركات والبنية التحتية، ومن جهة المستخدم والهواتف والبرمجيات التي يستخدم للاستفادة من كل قدرات الفايف جي.

هواوي قد تكون تهديدًا أمنيا، إلّا أنه لا يُوجد دليل فعلي على ذلك غير أن البلد الأم في محل شك فيما يخص علاقتها بالشركة، وفي سهولة تأثير الحكومة عليها والاستفادة منها في خططها الخارجية للتجسس، إلّا أنها من جهة آخرى كانت الأقوى في خطتها لتوفير تغطية مثالية للجيل الخامس بشكلٍ مبكر، وتوفير هواتفٍ من الفئة العليا بشكلٍ يرضي المستخدم، فأين تصل يا ترى وهي عالقة بين فقد الثقة وجهودها الكبيرة للدفع بالتقنية للأمام؟